الجمعة، 23 أبريل 2021

لماذا لم أحب قط "النظارة السوداء" و "أنا حرّة"- قراءة إحسان عبد القدوس 2021

 لماذا لم أحب قط فيلمىّ "أنا حرة" والنظارة السوداء؟

مقالة منشورة: ملف العدد- إحسان عبد القدوس

مجلة فنون للثقافة والأدب- مصر

23 أبريل 2021.

قراءة نقديّة مُعاصرة لفكر الكاتب والروائي المصري الشهير إحسان عبد القدوس، وبخاصة الفيلمين المذكورين، تفكيكهما من خلال فهم ديناميكية العلاقة بين الكاتب "الذكر" والأم، وإمكانية مراجعة ما نادت به تلك الأفلام في عام 2021.

صورة شخصية قديمة للكاتب والروائي المصري "إحسان عبد القدوس" في طفولته.

لماذا لم أحب قط "النظارة السوداء" و "أنا حرّة"- قراءة إحسان عبد القدوس 2021؟

لا أعلم عدد المرات التي شاهدت فيها فيلمى "أنا حرة"- 1959 أو "النظارة السوداء"- 1963 المأخوذين عن روايتين بنفس الاسم للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، ولكني أعلم أنه في كل مرة أفرغ من نهاية المشاهدة يكبر بداخلي حائط أسمنتي يعلو المرة تلو الأخرى ويقف حائلًا لرؤية مفهومىّ الحب والحرية كما تمّ تقديمهما في الفيلمين. أحاول استكشاف الأمر بشكل أكثر موضوعية عن طريق قراءة مقالات نقدية عن أعمال "إحسان عبد القدوس" وبخاصة السينمائية منها، وأتعثر دومًا في توصيف جلّ النقاد له، بأنه "كاتب الحب والحرية، وأصدق من عبّر عمّا يجول في عالم المرأة الانفعالي". في حقيقة الأمر، يُغضبني الشطر الثاني دومًا ويضعني في مثار السؤال الممتد بداخلي، لماذا يتمّ الاحتفاء بالكاتب الرجل إذا ما اختار طواعية أن تصبح شخصيات رواياته أو أفلامه شخصيات نسائية، أليس ذلك بديهي في فعل الكتابة كما يفترض به- هكذا أظن- أن تكن الكتابة في جوهرها فعل متجاوز للكاتب نفسه وإخلاصًا بلا مواربة لعالم أبطال الرواية/ الفيلم. أليس بديهيًا في تكوين هوية الكاتب أن ينغمر بالكلية في العوالم الانفعالية لشخوصه دون أن يتوحد بها، ويسرد ما رآه في رحلته لكهوف شخصياته المعتمة ويعبر بالقرّاء نحو فهم أعمق ليس لذواتهم فحسب وإنما تعقيدات الروح التي لا تفصح عن نفسها بكل تلك المباشرة المعهودة خارج الكتابة؟ لربما لم يتحقق ذلك في عالمى "أنا حرة"، و"النظارة السوداء" بالنسبة لي، على وجه الخصوص، ولذا دوما شعرتُ فور الفراغ من مشاهدتهما بالغضب والخيبة.


أفيش فيلم "أنا حرة"- لبنى عبد العزيز، شكري سرحان، صلاح أبوسيف


قبل أن تبدأ أحداث الفيلم، لدينا أفيش بعنوان "أنا حرّة" أشبه بصوت قرار واعٍ تمّ الوصول إليه مبكرًا، يخبرنا كل من المؤلف والمخرج والممثلة أن "الحدوتة" ستنتهي بتلك العبارة، وكان ذلك جديرًا أن يمنح المشاهد قبل أن يدلف الفيلم شعورً بالطمأنينة، غير أن هذا لم يحدث. بطلة الفيلم "أمينة" منذ الوهلة الأولى يتم نعتها بأنها صعبة المراس، تنتقل بنا الأحداث بين سياقات مختلفة يجمعها رابط واحد، إظهار كيف تتمرد "أمينة" على كل ما لايعجبها في تلك السياقات وكيف تصطدم في كل مرة تفصح فيها عن رأيها واختيارها، ونتيجة حتمية يتم تنفيذ العقوبة المجتمعية المتعارف عليها إما بالنبذ أو بالرغبة في "شد اللجام" ومحاولات التدجين المستمرة لفرخ البط الأسود. لا أنكر أنه في مشاهدة أحداث تجري في الأسرة أو تجمع النساء، أو في الشارع، وجدت تعبيرًا حقيقيًا عن صورة ذلك الصراع والصدام ومحاولات الكرّ والفرّ بالرغم من أني أشاهد "أمينة" في داخلي وأنا في عام 2020. حقق لي الفيلم "تنفيسًا" مؤقتًا حين أدرك أن اختياراتنا في الحياة كنساء في مجتمعاتنا لن تأتي بكل تلك السهولة، وأن لنا "رفيقات" حتى وإن كنّ عابرات كطيف متخيل لرواية أو من وراء شاشة عرض سينمائية. إذن من أين نبتت الخيبة؟

ينتهي الفيلم بالبطلة والبطل يتعانقان وينتصر الحب ويصفق المشاهدون، وأتململ كعادتي. إذن في نهاية المطاف الأمر لم يكن أن "أمينة" تسعى للتمرد على تقاليد مجتمعها البالية والتصدي لها، في نهاية المطاف تحول الأمر إلى البحث عن "رجل" بمواصفات "مختلفة"، إذن كانت رحلة "أمينة: رحلة البحث عن الحب وليس الانعتاق والحرية لبنات جيلها. ولا ضير في ذلك على الإطلاق، أن تصبح "أمينة" باحثة عن الحب، عن قصتها الشخصية في الامتزاج مع "آخر، لا ضير على الإطلاق، لكن ما شأن الحرية بذلك المسار! أشادت كثير من المقالات النقدية بالفيلم باعتبار "أمينة" رمزًا لكيان أكبر، وهو الوطن. ولكن حتى بتبني تلك الفرضية والتي لا يمكن اعتبارها سوى "مساحة" أخرى لإيجاد معنى أو طرح تفسير متخيل، لماذا إذن قضايا المرأة يتم تأطيرها ضمن قضايا الوطن، هل ذلك يمنحها اتساعًا في الرؤية، أم يفرغها بالكلية من مضمونها. أما عن حرية "أمينة" الذي وعدنا بها الفيلم منذ "عنوانه"، فلماذا الحرية تأتي إليها عن طريق "رجل" ظل يرقبها طيلة حياتها، ثم يتحين الفرصة المناسبة كى يقوم بدور "المعلم" الذي حتمًا في نهاية الأمر يود أن تصبح "تلميذته" النجيبة مُستحقة للعلامة الكاملة، حينئذ يمكنها الحصول على الجائزة والتكريم، وسيصبح هو ذات نفسه الجائزة بعد أن يقبل بها بعد أن تعبر كحصانٍ يستعرض قدراته بالقفز فوق حواجز معدة له مسبقًا، ينتظرها على الناحية الأخرى ليمنحها قلبه ومحبته!! لم يمنحني "أنا حرّة" ما وعدني به بتقديم مفهوم الحب والحرية من عالم المرأة، كما قيل لي.


أفيش فيلم "النظارة السوداء"- نادية لطفي


نفس المسار يُعيد نفسه مرة أخرى في  فيلم "النظارة السوداء" الذي تمّ تقديمه في عام 1963، غير أن المسار يصبح أقل تعقيدًا وأشبه بترسيم مبكر للحدود بين الأبيض والأسود بطريقة محسومة. ف"مادي" بطلة الفيلم بنمط حياتها في جزء الفيلم الأول لربما يثير الغضب في شريحة عريضة من جمهور الطبقة المتوسطة- كما أفادت المواد الأرشيفية عن الفيلم- بينما يأتيها الخلاص من خلال البطل الذي يحثها على إعادة مفهوم الحرية بداخلها لنراها تتحول بدرجة 180 في النصف الثاني من الفيلم، بل وزيادة على ترسيخ رغبتها في الانتماء لمقبولية جديدة، تبدأ في الانخراط في العمل الخيري من أجل الوطن. الفيلم لا يشعرني فقط بالخيبة، بل يجعل المقولة الشعبوية التي تتردد دومًا على أفواه الوعى الجمعي "طبعا إحنا مؤمنين بالحرية، بس بشروط" شديدة الإيلام بالنسبة لي.

سيبدو بديهيًا القول أني أشاهد الفيلمين بعين تنتمي لعالم  وسياق مختلفين، وفارق زمني يتجاوز الستين عامًا. وهذا يحمل بعض الصحة لا شك، لكن أليس هذا هو الهدف من المراجعة النقدية لكل ما نملكه من أرشيف إنساني، ألا نترك ما خلفه السابقين يبتلعنا بين الحين والآخر، بل نحوّله لعتباتٍ نتكأ عليها في لحظتنا الآنية. من ناحية أخرى، دفعتني الخيبة التي شاهدتها في الفيلمين المذكورين إلى البحث عن إجابة لتساؤلٍ آخر، كيف كانت النساء أنفسهن يرين الحرية في تلك الفترة الزمنية؟ ويضعني ذلك في مأزق تساؤل آخر، من "النساء" التي أود التعرّف عليهن عن قرب وأحملهما معي من تلك الحقبة ! من "النساء" المُخاطبات بمفاهيم الحب والحرية عبر الروايتين أو الفيلمين في تلك الحقبة؟

لم تبدو أيًّا من "أمينة" أو "مادي" عوامل جذب لي على الإطلاق، فوضعت عني كل ما يحملان من رمزية أو معانٍ تمّ إقحامها في وعيي القديم قسرًا. عدتُ إلى التاريخ، وحملني بلا أدنى مواربة نحو "درية شفيق"، والتي تزامن وجودها وعملها ما يحدث في مسار مواز لتلك الحقبة التاريخية. اقتبس الفقرة التالية من مسيرة "درية"، وأتوقف عندها قليلًا:

"في عام 1951، قبل ثورة 1952، اقتحمت درية شفيق- وهى قائدة الحركة النسوية ، وقد عكست التوجه الليبرالي للنسويات الحديثات ومعها 1500 امرأة البرلمان، مطالبات بحقوقهن السياسية كاملةً، وإصلاح لقانون الأحوال الشخصية، ومقابل عادل لساعات العمل.

بعد قيام ثورة يوليو أصدر مجلس قيادة الثورة بيانًا يعلن فيه عن حل جميع الأحزاب السياسية، وحظر جميع الحركات النسوية المستقلة، واستُبدلت تلك المنظمات والحركات بكل ما يتبع النظام. في تلك الفترة، ارتدت الحركة النسوية للعمل الخيري فقط.

في عام شاركت "دريّة" ومعها عدد من النساء في إضراب عن الطعام لعشرة أيام، اعتراضًا على لجنة دستورية لم يكن للنساء فيها مكان. وقد كانت أكثر المواجهات مباشرةً بينها وبين عبد الناصر في عام 1957، فقد بدأت في إضراب آخر عن الطعام في مظاهرة ضد احتلال مساحات من الأراضي المصرية من قِبل القوات الإسرائيلية، واعتراضًا (كما رأت) على «الحكم الديكتاتوري للسلطات المصرية والتي تدفع البلاد نحو الإفلاس والفوضى». تمّ وضع درة شفيق في الإقامة الجبرية لانتقادها جمال عبد الناصر، لتبدأ عزلتها من عام 1957 وتنتهي بانتحارها المأساوي في عام 1975."[1]

إذن في الفترة التي قُدمت من خلالها "أمينة" و"مادي" في تتبع لمسارهما الشخصي مفاهيم عن الحب والحرية، كان الواقع المصري في نفس الوقت  يمتلك جسدًا وروحًا وحياة متجسدة بكل وضوح، كانت لدينا رواية لم يلتقطها من وصفه النقّاد بأنه كاتب الحب والحرية! بالطبع الإجابة البديهية هى تجنب استثارة حفيظة السلطات والصدام مع "المغضوب عليهم" من قبل القيادة السياسية آنذاك، قد يصل إلى التواطؤ في تمريرمفهوم الحرية في تلك الفترة ليصبح  مفهومًا "مسالمًا" مدجنًا من الحرية التي تأتي في نهاية المطاف من "السلطة" الذكورية التي تبارك تلك الحرية التي تحصل عليها المرأة فقط حين تكون مستوفية لل"شروط".

قادني ذلك البحث إلى تساؤلٍ جديد، " هل مطلوب من الروائي/ صانع السينما في واقعنا العربي أن يكون نسويًا؟" أو بمعنى أدق أن يكون متماشيًا مع ما يحدث في واقعه إذا ما قرر أن يتناول "قضايا النساء"؟ يفتح مثل هذا التساؤل المزيد حول ما تمنحه الكتابة من حريات في التقاط من أين يود الروائي أو صانع السينما أن تبدأ قصته سواء داخل الرواية أو الفيلم وأين تنتهي، وذلك لا يمكن التفاوض حوله بأى طريقة. لكن يمكننا أن نتخفف قليلًا من منح الألقاب المجانية في توصيف العمل أو الكاتب، وبخاصة في منطقة يبدو فيها بشكل واضح أنه يقدم مفاهيم تقترب للتشويش حول الحب والحرية، تلك المفاهيم السامة المغلفة بغلاف فضفضاض من الدعوة المجاهرة بالحرية بينما تبطن بداخلها تدجينًا وتأطيرًا يكاد يقترب كثيرًا من يمينية التقاليد والأعراف التي تمّ الإعلان والوعد بتحطيمها. من ناحية أخرى، إذا ما أزحنا جانبًا فقط لبعض الوقت الإشادة بقدرة الكاتب على تقديم تنويعات من الشخصيات النسائية،  التي لا ريب حولها في تقديمه تنويعة من الشخصيات والتي في أساسها المرأة، لماذا لا يوجد ضمن كل تلك النماذج نموذجًا يشبه "روز" والدته!


صورة أرشيفية للسيّدة روزاليوسف وإحسان عبد القدوس


مرة أخرى، ستقف حرية الكاتب في اختيار الفصل الكامل بين حياته الشخصية والمهنية، غير أن شخصية "روز اليوسف" بكل ما تحمله من ثراء إنساني يصب مباشرة في مسارات تكشّف معنى الحب والحرية يصعب عدم التوقف عنده من الشخص العادي، فما بالنا بشخصية "كاتب" يقف ويتأمل ولا يمرر كل من يعبر في حياته، بل يتحول العالم بالنسبة له نسيجًا لا يمل من إعادة غزله بمختلف الشخوص المرة تلو الأخرى. تشير الكتابات الأرشيفية حول "إحسان عبد القدوس" أن هناك ثلاث نماذج نسائية تأثر بهن الكاتب، ألا وهنّ: والدته، عمته التي تولت تربيته، وزوجته. سأستبعد الزوجة لأن دورها يأتي مساندًا بعد تشكل اللاوعى- مخزن الإبداع الأكبر- في سنين الطفولة الأولى. تحمل طفولة "إحسان" لكثير من التأرجح بين عالمين عبر عنهما بكل قوة جسد العائلة من ناحية الأب التي اتسمت بالمحافظة على التقاليد والأعراف، وناحية الأم التي تجسدت في حياة "روز اليوسف" تلك السيدة التي توصف بأنها "أكبر من الحياة ذاتها" لما مرت به من تجارب وخبرات وتعقيدات جعل حياتها نسيجًا يصعب تكراره.

منحت الحياة الطفل "إحسان" سيناريو يتجسد من خلال والدته، غير أنه حين اختار كتب- في بعض الأحيان- وقدم لنا نماذج نسائية متنوعة، لكنها نماذج مرتبكة، تقف حائرة في المنتصف، يستسيغ لها أن تلعب دور الضحية، ضحية شىء أكبر منها، وسيأتي البطل ف النهاية ليقدم لها يد العون ويعبر بها نحو الأمان. نساءٌ لا يستطعن التحقق سواء بالاندماج الكلي في مجتمعاتهن أو بتحمل مسار التحرر للنهاية، أى نهاية تنظرها بطلاته!! نهاية مرتبكة.

نعم قدم الكاتب "إحسان" نماذج نسائية متنوعة أمر لا شك فيه، غير أن النموذج الذي كان الطفل بداخله يخشى منه ويحبه في آن واحد لم يظهر، "روز". يُقرضنا علم النفس بعضًا من الفهم بتوضيح أن اكثر النماذج التي نتعلق بها ونحبها في آنٍ واحد هى النماذج التي "نخافها" لأنها تستدعي بداخلنا "جُرح" قديم. وفي علاقة الطفل بوالدته، جرح الفقد وبخاصة في السنين الأولى يصبح شديد الوطأة وشديد التعقيد بين الرغبة الشديدة لاحقًا في البحث عمّا فقد كمحاولة للالتئام، يستتبع ذلك دوران المرء في ضبابية المشاعروالانفعالات والهواجس حول أحقيته واستحقاقه للمحبة من أول مصدر لها، والرغبة الموازية في "عقاب" من يظن الطفل أنها تخلت عنه، مُغلفةً بالرغبة في إخفاء ذلك كله بسلوك "التقديس" المبالغ به. كما يمنحنا أيضًا العلاج النفسي مسارًا للفهم والتكشف، حين نرى الطفل ينمو لكنه يميل إلى تكرار نفس البرمجة التي تربى عليها، و تجذرت في لاوعيه فباتت مثل ماكينة تحرك أفكاره وأفعاله ورغباته مستقبلًا. يكبر يبحث عمّا فقد عن طريق إعادة كتابة "سيناريو" قصة حياته المرة تلو الأخرى. يتحقق الشفاء والتعافي حين يتمكن من إعادة كتابة سيناريو حياته بطريقة مغايرة شرطة أن يتخلص في روايته من دور الضحية، قد يغير الأبطال، يحولهم من ضحايا مفعول بهم إلى فاعلين، هنا يتحقق الشفاء. 

كتب "إحسان" سيناريو قصص وروايات حقيقة لا مجازًا، لكنه لربما لم يشف من جرح "فقد الأم" في الطفولة، وحين وعى بأمه رآها وكأنها "بعيدة المنال" فاختار طوعًا أو لاوعيًا أن ينمو في "ظلها"، ومن هنا دخل الضوء.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق