الاثنين، 11 فبراير 2019

ضرسٌ لن ينبت ثانية

 قصيدة منشورة بمجلة "أوكسجين- العدد 241- فبراير 2019

مجلة "أوكسجين" مجلة ثقافية نصف شهرية يترأسها الروائي والشاعر زياد عبد الله.

****

ضرسٌ لن يُنبت ثانية



العربات متراصة كجنود يقفون لتحية العلم

نتكور بداخلها لنملأ فراغاً يتسع

ينساب بداخلي نهر يتدفق برفق
يخبرني أن هوتي تتسع
وأن لا شيء يملأ الغياب
أتململ في مقعدي
أفتح حقيبة يدي للمرة العاشرة
أتأكد أن لدي نقود تكفيني مشقة ما أجهله، 
مفتاح لبيت خاوٍ وجهاز يرسل طنيناً متصلاً مؤكداً الغياب
كل شيء في موضعه
حقيبة يدي ترقد ساكنة كقط أليف يلتمس الدفء على قدمي
السائق يتمترس خلف المقود ليستعد للاشتباك اليومي
العربات تتراص في حالة تأهب

تنقشع حين ينعكس في حدقاتها اللون الأخضر
كل شيء في موضعه تماماً
غير أني في كل مرة أتذكر الغياب أرتبك.

*

يخبرني المعلم أنه لا بأس
حين نختبر الأشياء للمرة الأولى
فلنربت على لحظات اهتزازنا
ندعها تتلمس موضع قدمين برفق
لا بأس

*

افتقدتك البارحة حين سألني أحدهم أتدركين أنك لم تخبريني قط عنه؟!
هممت أن أخبره عنك،

ثم تكورت على بعض منك بي

أخشى حشو الكلمات كقطعة قطنٍ يضعها الطبيب موضع ضرس تمً اقتلاعه للتو
أبخل بك على كل شيء
حتى نفسي
افتقدك جداً
ولا أدري أي شيء على وجه الدقة أفتقده بك
أتلمس هداياك المبطنة،

وأطمئن نفسي أني لا زلت طفلتك الأثيرة

*

 يخبرني المعلم أنه لا بأس في ذلك

أود لو كلماته تخترقني بالكلية
أهز رأسي بحنو،

أمضي دون أن أبتاع منه شيئاً
أود لو أن كلماته تتحول إلى أيادٍ لأناسٍ غرباء

 تتوقف للحظات تربت على كتفي برفق 
وتمضي دون التفاتة

لأنفرد بي وبك وبما يكبر بيننا في الغياب.

*

سأصنع ناراً في دائرة

سأضع كافة أشياءك التي أخفيتها عن أمي لاحتفظ بما تبقى منك:
كارت ملون عن أول رحلة سفاري
ضحكات تقفز من صور متكررة مع أشخاص غائبين
قطعة حديد لم يمسها الصدأ تحمل اسمك ورقم كتيبتك
محبس فضي رائق بحجم إصبع يدك اليمنى، ليس لأمي
صوتك الذي تعثرت به في شرائط بلاستيكية مذيلة برغبتك أن تكن حاضرًا
كل الأسئلة التي وددت أن أوجهها لكمات لفكك،

ثم استبدلتها في لحظة وهن ممتدة

بقبلات غفرت لك كل شيء
العمامة باللون المائل للصفرة التي كنت ترتديها حين تعود إلى موطنك متخلياً عن كل ما لا يشبهك
خط يدك الذي صنعته امتداداً لئلا تقع منك الذاكرة

أضع كل شيء في الدائرة
المسافة تمكنني من التحديق ملياً في حدقة كل قطعة

امتصاصها بداخلي بالكلية
النار في المنتصف لا تنطفئ

*

 سبعة عشر عاماً من الغياب الممتد

بحثتُ عنك طويلًا في أوجه علّها تشبهك
وها أنا أرصهم كمكعبات ملونة تصنع بيتاً أسكنه وحدي

أتساءل، هل بحثت عني يوماً؟
القسوة التي كبرت في قلبي حين عدت إليّ في المرة الأولى،

وما تلاها من رحمة تدفقت نحو كل شيء لتعيدني إلى نفسي 
كل ما كان ممكنًا وأصبح مستحيلًا
كل ما يمكن ولا سبيل للتحقق من وجوده بالفعل
تحملني قدمي اليسرى على مضض- تذكرني بعطب محتمل
أسمح لنفسي أن أنهمر بخلسة داخلي
أرى قطعي تتساقط كأذرع عنكبوت تمّ تقطيع أوصالها للتو
أتشبث بما تصل إليه يداي
لا أعلم على وجه الدقة
متى وكيف سأطلق ساقيّ للريح
وأي كعبة سأيمم شطرها مرتعبة

*

 أود لو أخبرك إني:

أفتقدك كثيراً وجداً
سأراوغ – كعادتي-
بأن ألعنك في الصباح

مستحضرة عراك يشبه اثنين متحابين لم يتماسا ليلة البارحة
ثم أعاود محبتك كل مساء
محبة لا يشاركني فيها أحد
تضيق بها كلمات التعزية الممضوغة مسبقاً
لا يفهمها سوى الصامتين العابرين بحزني عليك قبل أزمنة
سيعرف كلانا الآخر جيدًا
حين تتراص العربات
وتنهمر كالسيل
ويصبح كل شيء مزعجاً
سيعرف كلانا الآخر
في الصمت الممتد بيننا

كجسرٍ عبرناه مراراً ولم نعد قط خاليي الوفاض
سيعرف كلانا الآخر
سيطل الحزن من مكان قصي حيث اختبأ دهرًا
صوت الريح سيصل بين ذراعينا ليعبر أحدنا للآخر
سنتعاتب لأن لعبة الاختباء قد طالت أزمنة
ثم تغمرنا السكينة بالكلية
تخدر أطرافنا الأربع

ينهشنا الذباب بأسنان حادة فلا نبدي مقاومة
نلثم من خمر الصمت،

تذوب قطعنا بالكلية في اللافعل.
ثم سنمارس فعل الحياة مرات لا أعلمها
نتفتح كزهرة اللوتس كل صباح

وننذوي على بقايانا في المساء
ونعاود الكرة كل يوم دون انطفاء
أو لربما لا أود أن أتسابق مع يقيني فيما سيحدث لاحقاً

جلّ ما أوقنه الآن وهنا
أني سأفقدك مرات كثيرة
وكل مرة سأفتقدك كأول مرة
وأنه يا أبي لا بأس في ذلك.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق