الخميس، 5 يناير 2023

مغفرة- نصٌ شعري

 قصيدة مغفرة، العدد 185 يناير_2023

بمجلة الكلمة



الصورة من المشهد الافتتاحي لفيلم فورست جامب


مغفرة

الأشجارُ التي اختبأتُ خلفها تمَّ اقتلاعُها اليوم

أخبرتني أمي أنَّه يتوجب علينا إنقاذ ما تبَقى من حديقتِك.

بدا الأمرُ لي أشبهُ بمزحة ثقيلة.

أيُّ حديقةٍ ستبدو بدون أشجارك يا أبي!

وكيف ستبيتُ أشجارُك ليلتَها الأولى دونك!

مُخيلتي مُمتلئةٌ بحكايا عن النمل الزاحف إلى جُحره كُلَّ شتاءٍ ينهرُني كُلَّما اعترضتُ طريقَه صُدفة

عنكبوتٌ يتسلَّقُ زوايا الذاكرة بخِفةٍ ويستكين، يُراقبُني بصبر

 ثُعبانٌ يتلوى في بطني كُلَّما هَممتُ بمُعاودة الغضب، أبتلعَهُ كُلَّ ليلة

وطفلٌ يصنعُ رقصةً فوق غيماتٍ تطل برأسها على وسادته كُلَّ صباحٍ، أتعرفُ عليه ببُطء.

أتخيلُ أشجارَك يا أبي التي تمَّ اقتطاعُها اليوم، تُلملِمُ جذورَها وتلعنُ الفاعل.

سأنام مُبكرةً الليلة، سأدعو جُنودَك المُخلِصين إلى الحُلُم

أعجزُ حتمًا عن قيادة كتيبة أشجارك في الحُلُم يا أبي

تعلمتُ مِنكَ الاختباءَ أزمنةً، وعجزتُ عن تعلُّم الصرامة

كعادتي سأخترع احتفالًا صغيرًا في التو، بعد أن أُحكِمَ إغلاقَ بابِ الغُرفةِ جيدًا

سأستجدي النملَ أن يكُفَّ عن العمل ويأتي مُبكرًا كعادته

أمَّا العنكبوت فلا أجزم أنَّه سيُشاركنا الرقصاتِ خِشيةَ أن تَتَقَطعَ أوصالُه

والثعبانُ الذي يَسكُنُني طِيلةِ النهار، بحثتُ عنه طويلًا الليلةَ فلم أجده.

سأحرص على ألَّا تبدو أشجارُك مُرتبكةً يا أبي بعد أن تُغادرَ صُفوفَ الكتيبة

سأدعو فتياتٍ يافعاتٍ يرقُصن في دوائرَ لا تنتهي

يرقُصن بإيقاعهن، تتلألأُ نجومٌ مخفيةٌ بأعينهن، وتفوحُ منهُنَّ رائحةُ اليَاسَمين كُلَّما عَبَرن.

أشجارُك ستعبرُ فوقَ ارتباكِها الرجولي المُحبب  

تستطيلُ أذرعُها لتتلمس أطرافَ شعرِ فتياتٍ مُنسدلٍ على الخاصرة

سنضحكُ سويًا حين تنفرد إحداهنَّ بأحد جنودِك القابعين بالزاوية وتميل على كَتِفِه تنفحه إيماءةً مُحببة

الفتياتُ ترقُصن باتجاهِ عقاربِ الساعة

الأشجارُ تتماوجُ باتجاهِكَ أنت

الدوائرُ تتناغمُ كموجاتِ نهرٍ يتدفقُ دون أن يُحدث أدنى جَلَبَة

أقفُ في المنتصفِ تمامًا

أراقبُ سَيرَ الحفل

وأراقبُك حين تبتسم فأُلقي التحيَّةَ على تجعيدةِ عينِك اليُمنى

أتدَثَّرُ بطانيةً مُطرزةً بمحبةٍ مُمتدة ستجدُ طريقها إلىَّ

أتلمسُ بأطرافِ أصابعِ قدمي أرضاً أتجذّرُ بها كُلَّ يوم

قبل أن أُغلقَ عينيَّ بإحكامٍ

مُبتسمةٌ لدفءِ حكايا لم تروِها لي قَط.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق