الخميس، 6 نوفمبر 2014

معنى كلمة "خبرة" في الثقافة المصرية، وبخاصة للنساء.

 مقالة منشورة على موقع "نون" بتاريخ 6 نوفمبر 2014

موقع "نون" هى منصة تتناول قضايا النساء، اهتمامتهنّ، خبراتهنّ في المجتمع المصري، كما تقدم الدعم النفسي والمساندة من خلال ورش إبداعية وفنية تغطي أكثر من خمس محافظات بجمهورية مصر العربية. المنصة هى امتداد لرؤية جمعية الفن للتنمية المصرية.

كلمة خبرة بالخط العربي

يعني إيه كلمة "خبرة"؟

بينما أبحث عن معنى كلمة "خبرة" استوقفتني استخدام الكلمة نفسها بشكل كوميدي في أحد أشهر الأفلام المصرية "التجربة الدنماركية" للفنان عادل إمام.

مشهد من فيلم التجربة الدنماركية، للفنان المصري "عادل إمام"

يقولك فلان ده "خبرة".. فأنت تفط ف دماغك راجل أو ست كبار في السن مثلًا واشتغل في الحتة دهيّات وقت من عمره فراحوا رصوا السنين فوق بعضيها وبالتالي هي دي الخبرة

بس الحقيقة إن الخبرة مش هي إنك ترص السنين، اللي هي بدورها مجرد رقم أجوف خالي من المعنى، إلا إذا إنت -وش حد بيزغدك في كتفك عشان تصحصح- حطيت على السنين دي معنى وابتديت تسأل نفسك: يعني إيه خبرة؟

الطفل الصغنتت في أول مرة يحط صوابعينه الصغنتتين في كوبس الكهربا رامي ورا ضهره كل زعيق أمه اللي بيخرق الحيطان، لكنه مش بيخترق رغبته في الكشف والاكتشاف عن العالم السري اللي ورا الخروم.. بالنسباله الخروم السودة هي مكان مثير جدًا للاكتشاف ولازم انتصر عليه بالطريقة اللي أعرفها.. الخروم السودة بالنسباله هي ثقوب سودا لسه ميعرفش عنها حاجة ولسه مفيش بيانات دخلت دماغه هو.. بطريقته هو.. مش بزعيق أو بطريقة حد تاني عنها.. فبيستجيب وبيحط صوابعينه وع البركة بيعمل إزززز

الغريب إن نفس الطفل مع نفس الفيشة مع نفس الخروم مع نفس الصوابعين اللي عايزين يتاكلوا أكل، بيفضل يكرر نفس عملية الكشف والانتصار على الثقوب السودا، بس في المرات التانية ممكن يكون لأسباب مختلفة، مش عشان هي مجهولة بالنسباله.. لكن عشان يعاند الست دي أمي.. في أول خناقة عشان يثبت "لأ بقى أنا كمان عندي رأي وصوابعين". 

ومع الوقت بتتكون مع الطفل اللي تاعب قلب اللي خلفوه في رحلته الطبيعية جدًا، إنه يكبر وياخد كل حاجة حواليه بالحضن وبالصوابعين عشان يكتشفها؛ هو لسه بيحاول يكونله "خبرة" عن العالم الكبير دوّت.. النور أوي دوّت اللي مختلف عن العالم، اللي الكهربا كانت قاطعة فيه مفيش كشافات في رحم أمه

وهو بيحجز نسخته من باكيدج الـ"خبرة" جزء كبير منها بيتكون من التربيطات والوصلات اللي بيقدمهاله أي حد أطول منه وأكبر منه.. زي مثلًا زعيق أمه أو ضربها ليه كل ما بيعمل محاولاته الكشفية في أدغال الفيش، أو يمكن "وجعه" هو الشخصي لما بينور مكان أي لمبة موفرة للطاقة (أحيييه) وبيعمل إززز

وبيكبر وبيخش الدنيا بباكيدج خبرة او اللي بيسموه "برمجة" مجتمعية،  مليان أسلاك ووصلات كهربية متعشقة في بعضها زي سلك التلافون الملعبك، بس بتبتدي بزعيق القريبين منه.. اوعي تعمل كدهوت ليحصلك العو ياكلك مثلًا.. أو حاطط فيها التاتش بتاعه هو الشخصي من كوكتيل مشاعر مش فاهمه، لكنها هي اللي بتخلي بعض السلوك جوة لمبة روحه بعضها أحمر يعني مواقف قابلة لتفجير مشاعر غضب وضيق أو حروق جسدية ونفسية مش سهل يتعافى منها.. أو سلوك جوة نفس ذات اللمبة وجنب نفس ذات السلك الأولاني بس لونها أخضر، يعني المواقف اللي بتتدفق فيها روحه زي شلال مقداموش أي حواجز لغاية المصب اللي عايز يوصله

الطفل مبقيعدش مع نفسه ويفلي روحه عشان يشوف السلك الأحمر ولا الأخضر، ولا أي واحد فيهم.. لأن لسه صفحة روحه ميتها رايقة.. المية فيها ماشية تتمختر على وش الحياة بإيقاعها هو وبقدراته هو، لأنه الكائن الأذكي اللي بيحاول يتحايل على فكرة طرده من جنة الـ"رحم" وبيحاول يشوف العالم اللي براه في رحلة صيد وكشف طول الوقت

نفس الطفل لما بيكبر بيخوض وياخد باكيدج الـ"خبرة" من ناس كتير جوة دايرة رحم بيته وبراه

وبيكبر نفس الطفل وبيبقى شحط طويل عريض، شنبه يقف عليه الصقر ويعمل بيبي ويمشي، ويقوم فاقعنا في السي في c.v ويقولك عندي خبرة شخروميت سنة في تصليح جلدة حنفية حمام بيتنا بخبطة واحدة على الحنفية

وإحنا طبعا نقول واااااااو

اتكونت إزاي الخبرة.. اتكومت.. اتراكمت.. اتضربت في الخلاط.. دي بتاعته هو.

بس الغريب إن الطفل اللي كان لسه معندوش "خبرة" ولسه بيحسس في طريقه زي الشيخ حسب النبي في الساونا.. كانت رحلة الكشف مرتبطة معاه إن معندوش "يقين" كافي من أي حاجة، فلازم يجربها لغاية ما يلاقي السلك اللي يشيله جوة روحه.

لما بيكبر بيبتدي يتحول لكائن كسول.. أيون.. مغلف بطبقة سميكة جدًا من الـ"يقين" إنه فاهم كل حاجة وعارف كل حاجة، وأصلًا كل الهري والغلي دوّت عدي عليّ قبل كدهوت، وأنا بقى البُورَم اللي فاهم الفول واللي زرعه

والغريب أكتر إنه بالرغم من كل ادعاءات الـ"خبرة" وكل هطل الـ"يقين" لكنه برضو بيقابل ثقوب سودا في فيشة على حيطة مواقف الحياة، وبتلاقيه برضو بيحط نفسه مش بس صوابعينه وبيعمل إززززز

طب ليه الرغي ده برضه؟!

عشان الخبرة من وجهة نظري مش معناها إنك بقيت في المربع ده فترة طويلة من الزمن، فبقيت واد خبرة يعني (وبالمناسبة.. مش عارفة ليه لما بيتقال البنت دي خبرة لازمن يبقي معناها قبيح.. غالبًا كل حاجة بتتقال على البنت بتبقى أوبح.. يعني ما علينا).. البقاء في الأماكن الثابتة فترات طويلة بيفقدك القدرة على الاندهاش بثقوب الفيشة الموجودة على الحيطة لأنك ابتديت تعرفها وتربط أسلاك جوة روحك مرتبطة بيها.

الخبرة هي قدرتك إنك ترسم رحلة لنفسك بتكون قادر فيها علي اللي بيسموه authentic learning يعني تعلم حقيقي.. هو فيه تعليم حقيقي وتعليم مضروب.. آه ممكن جدًا.. التعليم الحقيقي هو اللي إنت روحك نفسها بتنضرب في الخلاط، وبتقدر على الرغم من إن التجربة بتتعلق بيك إنت إلا إنك تنسلخ كدهوت زي فروة الخروف منها، وترجع خطوتين لورا وتبص على نفسك جوة المعجنة وتبتدي تعمل أهم مهمة من وجهة نظري للإنسان على الكوكب البائس ده إنه يعمل learn, unlearn and relearn. 

ودي يعني إيه يا ولاد (أصلًا زمانكو نمتوا ومش مكملين قراية، بس ولو أنا هكمل رغي).

يعني رحلة التعلم الحقيقي اللي بيكون فيها الإنسان قادر إنه يبص على السلوك الحمرا والخضرا (اللي هي اتكونت واتوصلت وادت أهميتها من مواقف حياته)، ويعرفها كويس أوي وبعدين يبتدي يفككها.. يفكك كل التربيطات مع الحاجات اللي كانت بتستجلب له الحزن.. وده الاغلب.. أو اللي بتخليه يخبط على بيبان الفرح.. ويعيد تركيبها في ثقوب سودة في فيشة جديدة على حيطة لسه قادرة إنها تبهره، برغم عمره الرقمي اللي بيوحي إن عنده خبرات.. لكنه في الحقيقة معندوش تعلم حقيقي.

لما تيجوا في الإنترفيوهات تسألوا الناس عن الخبرة بلاش تنبهروا بالسنين.. انبهروا بقدرتهم إنهم يجاوبوا على سؤال "إنت اتعلمت إيه في مشوار حياتك؟ وإيه اللمبات اللي إنت بنفسك نورتها".

لما تيجو تقابلوا ناس في حياتكم بيفكروكم بناس تانية أو بباكيدج خبرات تانية قبل ما تلجؤوا لأكسل حيلة على وش الأرض، إنك تعمل نفسك فكيك وبُورَم وفاهم.. ادّي نفسك فرصة إنك تفهم الأسلاك جوة روحك، والأشخاص الجداد يا تري ليه ارتبطوا بالأسلاك سوا الحمرا أو الخضرا.. لما تقابلوا ناس في حياتكم اتعلموا بمنطق الطفل اللي لسه الخروم السودة في الفيشة قادرة إنها تثير فضوله لرحلة الكشف.. مش بس ليهم.. له هو/ هي شخصيًا. 

لما تيجوا تبصوا على موقف معين بلاش تبصوا عليه بعين الخبيرة الإسطراطيجي اللي هيجيبلك بقى من تحت الحوض، وعرضوا دماغكم ومتكشكشوهاش إنكم تتعلموا.. وتفكوا حتة البازل اللي كانت واقفة في الزور، وتتولدوا من أول وجديد مع كل خبرة تعلم حقيقي.

الطفل لما طلع من رحم أمه في أول مرة كان بيصرخ في وشنا.. لأننا طردناه من الـ"جنة" اللي يعرفها.

لكنه مش عارف إن فيه "جنة" تانية مستنياه اسمها رحلة.. تعلمه هو الحقيقي.. وإنه يكون "خبرة" حياة.. حقيقية تبقى على قد بصمة روحه هو مش حد تاني.

بس كده.

وصباحو.. ولادات للحياة لكن مش بتقول واء واء.. لكنها بتوعدنا برحلة للـ"جنة" تستحق إنك تحجز فيها أول واحد.. ومفيهاش سواق غيرك إنت، أو هكذا يخيل ليك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق